فخر الدين الرازي

64

تفسير الرازي

لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ( 37 ) وجوه يومئذ مسفرة ( 83 ) ضاحكة مستبشرة ( 39 ) ( المسألة الأولى ) يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز ، والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات ، يقول الأخ ما واسيتني بمالك ، والأبوان يقولان قصرت في برنا ، والصاحبة تقول أطعمتني الحرام ، وفعلت وصنعت ، والبنون يقولون ما علمتنا وما أرشدتنا ، وقيل أول من يفر من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم ، ومن صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح ، ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد ، بل المغني أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه ، وهو كقوله تعالى ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) وأما الفرار من نصرته ، وهو كقوله تعالى ( يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ) وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى ( ولا يسأل حميم حميما ) . ( المسألة الثانية ) المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم ، فإنه يفر منهم في دار الآخرة ، ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل ( يوم يفر المرء من أخيه ) بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد ، لان تعلق القلب بهما أشد من تعلقه بالأبوين . ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى ( لكل امرئ منهم يؤمئذ شأن يغنيه ) وفى قوله ( يغنيه ) وجهان ( الأول ) قال ابن قتيبة يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد : سيغنيك حرب بنى مالك . . . عن الفحش والجهل في المحفل أي سيشغلك ، ويقال أغن وجهك أي اصرفه ( الثاني ) قال أهل المعاني يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملا صدره ، فلم يبق فيه متسع لهم آخر ، فصارت شبيها بالغنى في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شئ كثير . واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول ، بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء ، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى ( وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة ) مسفرة مضيئة متهلله ، من أسفر الصبح إذا أضاء ، وعن ابن عباس من قيام الليل لما روى من كثرت صلاته بالليل ، حسن وجهه بالنهار ، وعن الضحاك ، من آثار الوضوء ، وقيل من طول ما اغبرت في سبيل الله ، وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعال القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة ، قال الكلبي يعنى بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه واعلم أن قوله مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته